محمد أبو زهرة

1849

زهرة التفاسير

الثالثة - أن التعبير ب « ثم » في قوله تعالى : ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ - للإشارة إلى تفاوت ما بين المعصية والاستغفار ، فالتراخى الذي دلت عليه كلمة « ثم » تفاوت معنوي ، وليس بتراخ زمنى لأن من يعمل السوء أو يظلم نفسه من غير أن يحيط بالنفس ، توبته قريبة ، كما قال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) [ النساء ] . والاستغفار هو طلب المغفرة ، وذلك يقتضى الإقلاع عن الذنب ، والندم على ما كان منه ، والالتجاء إلى الله تعالى فالاستغفار هو التوبة النصوح ، ومن مقتضيات هذه التوبة أن يرد الحقوق إلى أصحابها ، ويطلب العفو ممن أساء إليه ؛ لأن حقوق العباد لا تتحقق فيها التوبة إلا إذا ردت إلى أصحابها ، أو كان العفو منهم . وقوله تعالى : يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ، يفيد استجابة طلب الغفران إن تحققت شرائطه ، ولم يصب النفس بدنس ، فالمعنى إن استغفر وتاب وأناب استحق المغفرة ، لأنه يعلم وصف الله تعالى لذاته العلية بأنه المتصف بصفة الغفران والرحمة ، وكان من رحمته أن يقبل توبة التائب ، ويعاقب العاصي المصر . ثم ذكر سبحانه المرتبة الثانية في المعاصي بقوله : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً الكسب معناه طلب ما يرغبه الإنسان ، ويطلق الكسب على ما يناله الإنسان من أمور الدنيا ، وما تناله النفس من حظوظها أو ما تراه حظا لها ، وقد ورد الكسب في القرآن بمعنى طلب الرزق ، وورد بمعنى فعل الخير ، وورد بمعنى فعل الإثم . ولاحظنا في تعبيرات القرآن عن كسب الآثام أنها تقرن بما تدل على استمراء النفس للشر ، وتأثرها به ، فقد قال تعالى : . . . أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ . . . ( 70 ) [ الأنعام ] أي تمنع من الخير بسبب ما كسبته من ذنوب ، وقال تعالى : . . . أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا . . . ( 70 ) [ الأنعام ] ، وقال تعالى : . . . إِنَّ الَّذِينَ